الاخبار
 

                                                                                                                   

الرئيسية                 إتصل بنا    English

 

              
 

 

83/ تحقيقات/ متخصصون يحذرون من ظاهرة التحريض الرقمي وصناعة "الترند" الزائف      

 

 
عمان 16شباط (بترا) رانا النمرات- حذر خبراء في الإعلام الرقمي ورصد المحتوى الإلكتروني من تنامي ظاهرة التحريض المنظم عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن الأمر لم يعد يقتصر على ردود فعل آنية أو عبارات عابرة، بل تطور إلى عملية تدار بأساليب احترافية تهدف إلى التأثير في الرأي العام وصناعة حالات استقطاب مصطنعة.
وأوضحوا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن هذا النوع من التحريض يمثل تهديدا مباشرا للسلم المجتمعي ولمصداقية المشهد الإعلامي، لا سيما في ظل استغلال خوارزميات المنصات الرقمية التي تعزز انتشار المحتوى الصادم والمثير للجدل على حساب الطرح المتوازن والمعلومات الدقيقة.
وشددوا على أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب تعزيز أدوات التحقق الإعلامي، ورفع مستوى الوعي الرقمي لدى الجمهور، وتفعيل السياسات والإجراءات التقنية التي تحد من انتشار خطاب الكراهية والمحتوى المضلل، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية صون حرية التعبير ضمن الأطر القانونية والمهنية.
وأكدت شرين الصغير، راصدة ومحررة ومدققة معلومات في مرصد مصداقية الإعلام الأردني "أكيد"، أن ملف "التحريض الرقمي" يتصدر أولويات عمل المرصد، نظرا لما يتركه من تأثير مباشر على السلم المجتمعي ومصداقية المشهد الإعلامي، مشددة على أن التعامل المهني مع هذا النوع من المحتوى يستند لمعايير رصد وتحقق واضحة ومعتمدة.
وأوضحت أن الحسابات أو الصفحات التي تبث محتوى تحريضيا غالبا ما تستخدم أسماء وهمية وصورا رمزية عامة أو مسروقة، وبما يتيح لها التملص من المسؤولية القانونية والأخلاقية.
وأضافت، إن ما يعرف بـ "العدوى الرقمية" يحدث عندما يُنقل المحتوى من سياقه الأصلي ويعاد تكييفه بما يتناسب مع خوارزميات كل منصة، ما يسهم في إطالة عمر الإشاعة أو خطاب الكراهية وتعزيز انتشارهما.
وبينت أن المحتوى غالبا ما يبدأ بصورة أو مقطع فيديو مجتزأ عبر منصة "تيك توك"، ثم ينتقل إلى "فيسبوك" داخل مجموعات مغلقة لتعميق النقاشات الجدلية، قبل أن يصل إلى "إكس" ليتخذ طابعا سياسيا أو نخبويا، ما يمنحه زخما إضافيا ويعيد تدويره في فضاءات مختلفة.
وأضافت، إن طبيعة الخطاب تتبدل وفقا للجمهور المستهدف؛ إذ يركز المحتوى على الإبهار البصري والعناوين الصادمة في "تيك توك" و"إنستغرام" لاستقطاب الفئات الأصغر سنا، بينما يُقدم عبر "فيسبوك" ضمن أطر اجتماعية أو دينية لإثارة مشاعر الجمهور العام واستقطابه.
وحذرت الصغير من أن بعض وسائل الإعلام قد تقع في خطأ نقل محتوى منصات التواصل دون التحقق منه فتساهم بغير قصد بسرعة وزيادة انتشار محتوى تحريضي ومنحه "مصداقية زائفة"، مؤكدة أهمية وجود وحدات أو أقسام متخصصة في التحقق قبل النشر داخل المؤسسات الإعلامية، وعدم تغليب السرعة على الدقة بذريعة السبق الصحفي.
وأوضحت أن المعيار الفاصل في التمييز المهني بين خطاب الكراهية والنقاش العام الحاد يقوم على "الضرر والهدف"، أو ما يعرف بالمصلحة العامة، مشيرة إلى أن حرية التعبير تكفل نقد الأفعال أو الأفكار، حتى وإن اتسمت اللغة بالحدة، ما دام ذلك لا يتضمن دعوات صريحة أو ضمنية إلى العنف.

من جانبه، قال أستاذ الإعلام الرقمي المشارك في جامعة الشرق الأوسط الدكتور محمود الرجبي، إن التفريق بين التحريض والتفاعل الرقمي العفوي يستند إلى مؤشرات منهجية تتعلق بطبيعة المحتوى وسلوك الحسابات التي تقف وراءه.
وأوضح أن التفاعل العفوي يتسم عادة بتنوع طبيعي في أساليب الكتابة ووجود أخطاء لغوية بسيطة تعكس الطابع الإنساني للمحتوى، في حين يظهر التحريض المدار بنمط متناسق أقرب إلى "النسخ واللصق"، مع نشر مكثف خلال فترة زمنية محددة، عبر حسابات مغلقة أو حديثة الإنشاء.
وأشار إلى أن من أبرز أساليب التحريض ما يعرف بـ"الأستروترفنغ" (Astroturfing)، وهو حراك مصطنع يظهر نفسه كأنه تفاعل شعبي طبيعي، بينما يكون في حقيقته منظما أو ممولا من عدة جهات.
ولفت إلى أن خوارزميات منصات التواصل تسهم في تعميق الاستقطاب؛ إذ تعزز انتشار المحتوى الصادم أو الاستفزازي بسبب ارتفاع معدلات التفاعل معه، ما يؤدي إلى تشكل "فقاعات رأي" قد تؤثر سلبا في الوحدة والتلاحم الاجتماعي.
وبين أن بعض المقاطع القصيرة التي تقدم مجموعات بشرية ضمن قوالب نمطية مستفزة تحصد تفاعلا وجدلا أكبر من المحتوى التحليلي الرصين، ما يجعلها أكثر حضورا في خوارزميات العرض والوصول إلى المستخدمين.
وأضاف، إن التحليل الرقمي يكشف في بعض الحالات استهدافا مباشرا للهوية، من خلال التركيز على منطقة جغرافية أو طائفة أو نوع اجتماعي، مع تكرار أنماط خطابية تقوم على الوصم أو نزع الإنسانية.
وأوضح أن رصد هذا النوع من التحريض يعتمد على أدوات تحليل محتوى متقدمة، تشمل قواميس خطاب الكراهية، وتحليل الموضوعات والمشاعر، إلى جانب أدوات تقنية قائمة على الذكاء الاصطناعي، مثل واجهة "غوغل بيرسبكتيف" (Google Perspective API) لقياس سمية المحتوى، ومنصة "هيت بيس" (Hatebase) المعنية بتوثيق ورصد مفردات وخطابات الكراهية عالميا.
ودعا الرجبي إلى إطلاق حوار عربي فاعل مع الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي بهدف مراجعة السياسات الخوارزمية وضبطها بما يحمي خصوصية المجتمعات العربية، ويحد من تشجيع الانقسام والاستقطاب.

من جهتها قالت الدكتورة سرى شطناوي، من قسم الصحافة والإعلام الرقمي في كلية الإعلام بجامعة الشرق الأوسط، إن التحريض الرقمي تحول إلى عملية "تعبئة عاطفية" ممنهجة تستهدف أمن المجتمع وتماسكه، مشيرة إلى أن تأثيره لا يقتصر على الفضاء الافتراضي، بل يمتد إلى السلوكيات الميدانية.
وأوضحت أن هذا التأثير يتجلى في مشاجرات أو "محاكمات رقمية" تسبق صدور الأحكام القضائية، ما قد يفضي أحيانا إلى ممارسات اجتماعية قاسية، مثل القطيعة.
وأضافت، إن التحريض الرقمي يحقق انتشارا أوسع عندما يلامس "الأعصاب المكشوفة" في المجتمع، لا سيما في القضايا الحساسة.
وأكدت شطناوي أن مظاهر الاستقطاب الرقمي تتجلى في تراجع الأصوات المعتدلة أو تغييبها أو تعرضها لحملات متواصلة، إلى جانب النشاط المكثف لحسابات وهمية تنشر محتوى تحريضيا في توقيت متزامن.
ولفتت إلى أن بعض المجموعات المغلقة أصبحت مصدرا وحيدا للمعلومات لدى شريحة من المستخدمين، ما يسهم في تشكيل وعي جمعي مشوه.

--(بترا)
رن/ع أ/اح

16/02/2026 19:53:46

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 



 

 

 

 

 
 

جميع الحقوق محفوظة لوكالة الأنباء الأردنية © 2025